سباق العملات الرقمية الرسمية .. مَن يربح الرهان؟

سباق العملات الرقمية الرسمية .. مَن يربح الرهان؟

أثبت وباء “كوفيد-19” قدرته على تغيير الكثير من المسلمات في حياتنا وطريقة تعاملنا مع الآخرين، لكن الأزمة قد تدفع لتطورات أبعد مما نتخيل.

وتفاعل الوباء مع العديد من التطورات السابقة لتسريع الاهتمام المتزايد مؤخرًا بالعملات الرقمية للبنوك المركزية وما قد تنطوي عليه من إيجابيات ومخاطر.

البداية والشرارة والزخم

رغم حداثة قضية العملات الرقمية للبنوك المركزية بالنسبة للكثيرين، فإن الواقع يشير إلى أن الفكرة كانت مطروحة للنقاش والتجربة منذ ما يزيد على خمس سنوات.

والعملات الرقمية للبنوك المركزية أو ما يطلق عليه اختصارًا (CBDC) هي نسخة رقمية من العملة السيادية للدولة، وتعتبر المعادل الفعلي للنقد أو الاحتياطات الموجودة لدى البنك المركزي.

وتختلف العملات الرقمية للبنوك المركزية عن الأنواع الأخرى للعملات المشفرة أو المستقرة في أن الأخيرة لا تخضع لسيطرة مركزية ولا تعتبر عملة قانونية، وذلك بغض النظر عن تقلباتها الحادة أو ربطها بأصول بغرض جعلها أكثر استقرارًا.

ومع حقيقة أن بداية العملات الإلكترونية أو المشفرة بدأت عبر القطاع الخاص من خلال مصممين مجهولين قاموا بإطلاق عملات عبر تكنولوجيا البلوكشين، فإن البنوك المركزية تلقفت طرف الخيط واتجهت بخطى متسارعة لدراسة الفكرة تمهيدًا لإطلاق عملات رقمية رسمية.

ويمكن للعملات الرقمية أن تصمم لأغراض الجملة عبر التعامل مع البنوك التجارية فحسب أو للتعامل مع الجمهور العام أو ما يعرف بالتجزئة.

وظهر الاهتمام الأول بالعملات الرقمية للبنوك المركزية في عام 2014 من قبل بنك إنجلترا والذي قاد مناقشة عالمية بشأن آفاق تقديم هذه التكنولوجيا المحتملة، قبل أن تدخل العديد من البنوك المركزية في هذا المسار لاحقًا.

وفي الوقت الذي قامت فيه العديد من البنوك المركزية بأبحاث ومناقشات حول مدى جدوى الأمر، فإن دولاً أخرى مثل الصين وأوروجواي وكولومبيا والسويد قامت بتجارب مبدئية طوال سنوات ماضية.

لكن الأمر تلقى زخمًا قويًا في أعقاب إعلان فيسبوك العام الماضي مشروعه الخاص بإطلاق عملة رقمية مستقرة تحت اسم “ليبرا” مدعومة بسلة من العملات العالمية وسندات حكومية.

ورغم تلقي مشروع “ليبرا” ضربات قوية من تشكيك وتخوف وتحذيرات المشرّعين والاقتصاديين ومسؤولي المؤسسات الدولية وحتى الحكومات، فإنه تسبب في تسريع خطط بعض البنوك المركزية لإصدار عملات رقمية.

وأظهر مسح أنه عام 2019 ارتبطت 80% من البنوك المركزية حول العالم بعمل له علاقة بالعملات الرقمية وهو ما يمثل تطورًا نسبيًا مقارنةً بـ70% قبل عام واحد.

وأشارت 10% من البنوك المركزية المشاركة في المسح إلى أنها من المرجح أن تصدر عملة رقمية للاستخدام العام خلال ثلاث سنوات على الأكثر، بينما ذكر 20% من المصارف المركزية أنها قد تصدر هذه العملات في غضون ست سنوات.

الصين تتصدر السباق

ومع تزايد اهتمام البنوك المركزية العالمية بفكرة العملات الرقمية، انقسم الأمر إلى جبهتين: التعاون والسباق.

وفي حين فضّلت بعض البنوك المركزية التعاون سويًا في دراسة وتقييم الفكرة ومميزاتها وعيوبها، فإن دولاً أخرى قررت الانكفاء ذاتيًا وإصدار مشروعها الخاص قبل الجميع.

ويبرز الجانب الأول في إعلان 6 بنوك مركزية في شهر يناير الماضي؛ وهي كندا وإنجلترا واليابان والمركزي الأوروبي والسويد وسويسرا، التعاون مع بنك التسويات الدولية في إنشاء مجموعة لمشاركة الخبرات الخاصة بتقييم حالات استخدام والتصميم الاقتصادي والوظيفي والتقني للعملات الرقمية المحتملة للبنوك المركزية.

في حين تأتي الصين في صدارة الجبهة الثانية، مع عملها منفردة في مشروع إصدار عملة رقمية بل واقترابها كثيرًا من وضع الرتوش الأخيرة على المشروع.

وتعتبر الصين هي الدولة الأقرب لإصدار عملة رقمية خاصة، وسط تقديرات بإمكانية ظهور هذه العملة قبل نهاية العام الحالي رغم عدم تحديد موعد رسمي للإطلاق حتى الآن.

وقال المسؤول السابق في بنك الشعب الصيني “وانغ تشونغ مين” إن بلاده أكملت بالفعل الهيكل الخلفي (Backend) للعملة الرقمية للبنك المركزي.

وبالفعل، قام بنك الشعب في الصين بالعديد من التجارب على مستوى المؤسسات المصرفية الحكومية أو بعض المدن أو حتى مؤخرًا عبر شركة تكنولوجيا نقل الركاب “ديدي تشو شينغ”.

ويرى “بنك أوف أمريكا” أن الصين سيكون لها ميزة التحرك الأول في تبني العملة الرقمية، وهو ما قد يزيد استخدام اليوان في التجارة الدولية حتى لو لم يكن كافيًا لزعزعة هيمنة الدولارعلى النظام المالي العالمي.

وتشير لغة الأرقام حتى الآن إلى تفوق كاسح للدولار كأكثر عملات العالم استخدامًا في المعاملات بنصيب 62% من إجمالي الاحتياطات الدولية مقابل ما يقارب 2% لليوان.

ودفعت هذه الخطوات الصينية الولايات المتحدة لإعادة النظر في فكرة إطلاق دولار رقمي، بعد أشهر من الرفض الواضح أو تجاهل الأمر برمته.

وعقدت اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ الأمريكي جلسة استماع في نهاية يونيو الماضي بشأن مستقبل الدولار الرقمي.

كما أبدى رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي “جيرو باول” تغيرًا في لهجته حيال المسألة أمام الكونجرس، مشيرًا إلى أن البنك يعمل بقوة على هذه المسألة، في تحول واضح لحديثه قبل عام واحد عن عدم وجود فوائد محتملة لإصدار الدولار الرقمي.

مخاوف وآمال

بررت البنوك المركزية المهتمة بفكرة إصدار عملات رقمية حماسها بالعديد من الأسباب ومنها تسريع وتأمين وتقليل تكلفة المدفوعات ودعم الشمول المالي وقدرة السياسة النقدية على المناورة في أوقات الأزمات من خلال فرض الفائدة السالبة مثلاً.

كما يشير الداعمون للفكرة إلى ضرورة تلبية احتياجات الدفع في عصر الاقتصاد الرقمي، بالإضافة إلى تحجيم المخاطر المتعلقة بالعملات المصدرة من جهات خاصة والتي قد يُثبت صعوبة تنظيمها وتهدد الاستقرار المالي.

كما أن الأمر تلقى دعمًا ملحوظًا من أزمة الوباء والركود المرتبط به، مع تزايد الحاجة لآلية أكثر سرعة ودقة لتوزيع التحفيزات النقدية على المواطنين والمخاوف المتعلقة بإمكانية انتقال الفيروس عبر العملات الورقية.

ودفع الوباء لتسريع الاتجاه المتزايد بالفعل مؤخرًا في بعض الدول والخاص بانخفاض استخدام النقد (الكاش) في التعاملات اليومية خوفًا من العدوى.

لكن الأمر قد لا يخلو من المتاعب، حيث إن حداثة الفكرة وعدم وجود تجارب سابقة للاسترشاد يجعلان الأمر محفوفًا بالمخاطر والمفاجآت غير المتوقعة.

ومن شأن العملات الرقمية المصممة للتعامل المباشر مع العامة أن تُدخل البنوك المركزية في منافسة مباشرة مع المصارف التجارية على ودائع العملاء، وهو ما قد يضر بالأخيرة سواء عبر سحب الودائع أو الاضطرار لرفع الفائدة ويضيف أعباءً جديدة للأولى من ناحية التكلفة والتنظيم.

كما قد تشهد البنوك حالةً من الذعر المصرفي في أوقات الأزمات، ليلجأ الجميع للملاذ الآمن الجديد المتمثل في العملات الرقمية للبنوك المركزية مع سحب ودائعهم من البنوك التجارية.

وعلى الصعيد الدولي، قد تؤدي العملات الرقمية للبنوك المركزية إلى زيادة عمليات الدولرة في الدول التي تشهد معدلات تضخم مرتفعة وتقلبات في أسعار الصرف، ما يهدد سيادة بعض الدول.

في النهاية، رغم الحماس الواضح مؤخرًا في مسار البنوك المركزية لتبني فكرة العملات الرقمية، فإن الأمر يبدو بحاجة لمزيد من الدراسة والتأني قبل دخول عصر جديد ومجهول للنقود وطريقة تعاملنا معها.

المصادر: أرقام – صندوق النقد الدولي – المنتدى الاقتصادي العالمي – بنك التسويات الدولية – إي إن جي – فين تيك نيوز – كوين ديسك – فوربس

دراسة The macroeconomics of central financial institution issued digital currencies

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *